07 يناير, 2012

على هامش الحلقات.
بعض الناس يتصورون خطأ أن الثورات وليدة لحظة معينة، وهذا التصور غير سليم فالثورات دوما محصلة لظروف كثيرة ونتاج لكفاح سنوات سبقت لحظة اندلاع الثورة، خد عندك مثلا -عزيزي القارئ - من المغالطات أن البعض يسمي كاتبا بعينه في انه أول من انتقد مبارك علنا وجهر بسوء حكمه ونظامه، ستجد البعض يذكر إبراهيم عيسى، وآخرين يقولون عبد الحليم قنديل، ورغم احترامي البالغ لهذين الاسمين وتقديري الكبير لدورهما وتضحياتهما، وتأكيدي أيضا على أنهما كانا في طليعة من هاجموا مبارك في أوج قوته، إلا أن الحقيقة تجعلني أقول أن الدكتور أحمد شلبي – رحمه الله- سبق الجميع في هذا الشرف.
أول من كتب عن مساوئ حكم مبارك هو الدكتور شلبي في كتابه عن صراع الحضارات والذي كان مقررا على طلبة الفرقة الرابعة بكلية دار العلوم عام 1996، أي في منتصف التسعيينيات، قبل البدء في مشروع التوريث، وفي الوقت الذي كانت مصر كلها تعتبر مبارك قدس الأقداس وراجعوا مثلا كتابات واحد مثل مصطفى بكري في هذه الفترة.
وما أقوله عليه دليل وهو نسخة الكتاب وعليها تاريخ الإيداع وفيها فصل جريء وقوي ومباشر بعنوان مساوئ عهد حسني مبارك.
تحدث الدكتور شلبي في هذا الفصل عن تزوير الانتخابات، وكارثة الاستفتاء على رئيس الجمهورية، وعن فساد أعضاء البرلمان، وعن سوء إدارة مبارك لشئون البلاد الاقتصادية، وكان الدكتور شلبي رحمه الله يزيد في محاضراته عما سطره في كتابه، أذكر أنه قال لنا يوما:" مصر مبتلاه منذ أعتلى سدة الحكم جمال عبد الناصر، الذي كان يقطع رأس من يفكر ولو في سره ضد النظام، ثم جاء السادات وسمح للناس أن يفكروا، لكنه لم يسمح لهم بأن يتحدثوا فيما يفكرون فيه وكان يسجن من يتكلم، ثم جاء أكثرهم فسادا وفشلا مبارك وسمح للناس بالتفكير والثرثرة، وتبنى فكرة قول اللي أنت عايزة وأنا أعمل اللي أنا عايزه، والأمل يا أولاد معقود على ان يأتي جيل جديد قادر على التفكير والقول والفعل." هكذا تنبأ الدكتور شلبي وهكذا كان يعلم طلابه في دار العلوم العريقة التي يتخرج فيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
من الجنود المجهولة أيضا في مواجهة طغيان مبارك، ويتعففون عن ذكر ذلك الآن الإعلامي الكبير الاستاذ إبراهيم عابدين مدير إذاعة صوت أمريكا الأسبق، هذا الرجل كتب تقارير إعلامية منذ الثمانيينيات فضح فيها أسرار ما عرف بتمرد الأمن المركزي، كما فضح وعلانية وبلغة في منتهى القوة تزوير الانتخابات طوال عهد مبارك، وكتب عن دور سوزان مبارك غير الدستوري، ثم جمع كل هذه التقارير في كتاب ممتع في أسلوبه محكم في بنائه تحت عنوان أنا والأمريكان، لم يجرؤ ناشر في مصر على تحمل نشره، فنشره الرجل على نفقته الخاصة وقد شهدت بنفسي كيف كانت دور التوزيع والمكتبات تخشى بيع هذا الكتاب في عام 2005، وهو العام الذي شرفت فيه بالتعرف على الأستاذ إبراهيم وأهداني فيه نسخة من كتابه.

04 يناير, 2012


الحلقة الخامسة ( المظاهرات)
      كم منا وليس فينا وكم فينا وليس منا، هاتي هي عبارة الإمام حسن البنا يصف فيها بعض من يحملون صفات وسمت الإخوان، وليسوا أعضاء في الجماعة، هذه العبارة البليغة كان لي شرف سماعها لأول مرة من شخص كريم أحبه وأقدره جدا هو الأستاذ ناصر ربيع، وجهها لي معتبرا إياي من الإخوان رغم أني لا أنتمي إليهم تنظيميا، كان هذا في عام 2005، وللحق أسعدتني العبارة ليس لأني أرغب في الانضمام إلى الإخوان، فهذا ليس مطمحي ولا أحب أن أنخرط في أي تنظيم كان سياسيا، أو حزبيا، أو غيرهما، ولكن لأن صفات الإخوان من وجهة نظري تستحق الاحترام والتقدير فالإخوان يربون أبنائهم على خصال حميدة من الممكن استنباطها من رسالة الإمام البنا التعاليم وهي:(الفهم ، الإخلاص، العمل، الجهاد، التضحية، الطاعة، الثبات، التجرد،الأخوة، الثقة) هذه هي أركان البيعة عند الإخوان، وهي كما ترون تصنع رجالا، وهذا ما لاحظته، فهذه الجماعة من الناس عامرة بأصحاب العقول الذكية جدا، بل فيها أناس يعدون من العباقرة في مجالات عملهم، مخلصين في دعوتهم ولها، لكن الجاذب للإنتباه أن أصحاب العقول الخاملة والأفكار الساذجة وغير الناجحين في الحياة عندما يلتحقون بالإخوان يتغيرون تماما، وكأن مستهم عصا سحرية فيتحولون من الخمول إلى النشاط، من البلادة إلى الذكاء المتوقد، من قلة الوعي بأحوال البلد سياسيا واقتصاديا، إلى متحدثين جيدين جدا في مثل هذه الأمور وغيرها من المسائل الشائكة.
    لذلك كنت أسعد بسماع هذه العبارة، لكن ولأنني كما أوضحت في أولى هذه الحلقات أعرض تجربتي البسيطة جدا مع الإخوان فما أكتبه ليس تنظيرا أو عرضا أو تاريخا أو شرحا للإخوان ولا لمنهجهم فهذا ليس قصدي وهدفي، ولكن ما أعرضه مجرد شهادة لرجل اقترب من هؤلاء الناس بدرجة ما في ظروف ما فأحبهم جدا، ويزعم أنه فهمهم أيضا ويعز عليه ما يتعرضون له من تشويه وتشويش دون وجه حق، لذا قرر أن يقول كلمته ويمضي.
       أقول كوني أقع في دائرة المحبين للإخوان أضاف لي مزية كبرى، فقد حررني من الوقوع في فخ الموافقة المسبقة على كل ما يقوم به الإخوان، على العكس كثيرا ما كنت أختلف معهم، وكثيرا ما دارت بيني وبين شبابهم مساجلات ونقاشات سواء وجها لوجه أو على صفحات الشبكة العنكبوتية، وكثيرا ما ساءني بعض تصرفاتهم ومواقفهم، وإليكم مثال على ذلك، في عام 1998 كان يعقد في كلية دار العلوم المؤتمر السنوي للفلسفة الإسلامية، وكان يحضره أساتذة كبار من شتى أقطار العالم، وأثناء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إذ بصيحات تعلو بجوار القاعة يهتف أصحابها قائلين:" يا عميد يا عميد حد السرقة قطع الإيد". 
    كان العميد آنذاك الدكتور حامد طاهر، وهو رجل محترم وأستاذ قدير، شعر بالحرج الشديد أمام الضيوف من هذه الهتافات، والتي كان سببها أن غرفة اتحاد الطلبة كانت مليئة بالملازم والأوراق والنشرة التي كان يصدره شباب التيار الإسلامي بعنوان الحدث يعلقون فيها على المشهد السياسي المصري، هذه الأوراق جميعها تم سرقتها في الليلة التي سبقت افتتاح المؤتمر، واتهم الشباب مباحث أمن الدولة بالضلوع في هذه الجريمة، لكنهم للأسف وجهوا هتافهم ضد العميد وفي حضرة الضيوف، وهو قطعا بريء من هذه التهمة ولقد ذكرت آنفا كيف كان يعامل رئيس الاتحاد وهو من الإخوان بحنو الأب ويقضي له مطالبه.
      هذا الموقف أثر في بشدة لأنني أحب هؤلاء الشباب وأعرف إخلاصهم ونقاءهم وطهرهم، فكيف يسلكون هذا المسلك السيء،  لكني قلت في نفسي هم بشر يخطئون ويصيبون، وهم في النهاية ليسوا كل الإخوان، ولو علم كبارهم بما فعلوه لعاقبوهم عليه، وهذا مربط الفرس، لا بد أن يعلم الجميع أنه لا كهنوت في الإسلام فلا أحد له القداسة والحصانة المطلقة، لكن في الوقت نفسه يجب توقير شيوخنا وأساتذتنا، فأنا لا يعجبني الهجوم على الإخوان بالحق وبالباطل، لا يعجبني منهج سوء الظن بهم الذي تنتهجه بعض القوى الوطنية، ولا يعجبني أيضا فكرة أنهم لا يخطئون وكأنهم ملائكة من السماء، لا مفر من الحوار المشترك والعمل في مساحات الاتفاق وهذا على فكرة من أبجديات الإخوان يقول الإمام البنا في رسالة التعاليم شارحا ركن الفهم:" وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالإتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص – فيما اختلف فيه – بطعن ولا تجريح، ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا".
      من التصرفات أيضا التي كانت تند عن شباب الإخوان إبان المرحلة التي كنت طالبا فيها في الجامعة كثرة التظاهرات في أشياء كنت وما زلت أراها من صغائر الأمور. خد عندك مثلا: فتاة من فتيات الإخوان طردت من المدينة الجامعية، على الفور تجد حشدا هائلا من الفتيان والفتيات يجوبون جنبات الكلية وربما الجامعة هاتفين:" افرح افرح يا رابين بنات الجامعة مطرودين."، ولا يعبأون بما تسببه هذه التظاهرات من تعطيل للدراسة والسير الطبيعي لليوم في الكلية، وكنت دوما أتذكر هذه التظاهرات في الأيام الأخيرة، عندما كان يتظاهر أو يعتصم الثوار، فيرى بعض من الإخوان أن هذا يعطل الإنتاج وأننا الآن في وقت العمل. يا الله ! فكم تظاهر الإخوان في أيام مضت داخل الجامعة؟ ولم يهتموا بتعطيل عمل أو دراسة ولأسباب واهية، سامحنا وسامحهم الله.
   ومن مشاهد تلك الفترة والتي لا أنساها أبدا تظاهرة كبرى كانت الأضخم في تاريخ الجامعة آنذاك وكانت لنصرة القضية الفلسطينية، بدأ التحرك للتظاهرة من دار العلوم كان الشباب يقفون صفين في طابور طويل، وكذلك الفتيات ثم يتحركون في اتجاه كلية التجارة، فينضم إليهم طلبة التيار الإسلامي هناك، ومن يشاء من الطلبة الآخرين، ثم يمرون أما كلية الاقتصاد والعلوم الساسية فكلية العلوم ثم آداب ويختمون أما قبة الجامعة بعد أن يكون انضم إليهم طلبة الحقوق، وأذكر أن في  ختام هذه التظاهرة الضخمة وجه المجاهد البطل الشيخ أحمد ياسين رحمه الله كلمة إلى جموع المتظاهرين عبر التليفون المحمول وكان هذا حدثا جديدا جدا بالنسبة لنا آنذاك.
من المشاهد أيضا التي شهدتها في تلك الفترة أواخر التسعينيات، وأحب أن أسجلها محاربة أمن الدولة والحزب الوطني لشباب التيار الإسلامي ( الإخوان المسلمون) فيما عرف آنذاك بالجمعيات العلمية، كان عبد المنعم عمارة وزير الشباب والرياضة في حكومة عاطف صدقي قد تفتق ذهنه عن فكرة إنشاء مجموعة من الأسر في كل جامعات مصر تحت اسم حورس، وكان بهذا يتصور أنه يرتكز إلى الموروث المصري في مواجهة المد الإسلامي، ووضع تحت تصرف هؤلاء الشباب الذين عرفوا بشباب حورس كل ما يحتاجون إليه من إمكانات فكانوا يطبعون منشورات ويوزعونها في الجامعة ولا أحد يسألهم عن شيء وكانوا ينظمون رحلات منتظمة إلى الأقصر وأسوان، وكل شواطئ مصر، استقطابا للطلبة، وخاضوا انتخابات الاتحادات الطلابية وزُور لصالحهم وتم شطب المئات من مرشحي التيار الإسلامي ومع ذلك فشلوا تماما، وكان أبرز أسباب فشل تجربة حورس  الانحرافات السلوكية والاخلاقية التي كانت تتم في رحلات قطار الشباب واختلاط الفتيان بالفتيات بصورة مقززة، ورصد الصحافة لهذه الانحرافات ونشرها وكان لجريدة الشعب لسان حال حزب العمل آنذاك فضل السبق في هذا.
بعد فشل حورس ورحيل عمارة في حكومة الجنزوري الأولى الذي كوش على أغلب مناصب الدولة، حيث كان عضوا في عشرين مجلس إدارة فضلا عن كونه رئيس الحكومة ووزير التخطيط، فكر جهاز مباحث أمن الدولة في إعادة التجربة تحت اسم الجمعيات العلمية وقد فعلوا مهازل ومساخر وجندوا أساتذة في الجامعة لهذه اللعبة وهو ما سنحكيه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

  

03 يناير, 2012

في دائرة المحبين (4)
لا أغالي أبدا إذا قلت أن سنوات دراستي في دار العلوم كانت الفترة التي تشكل فيها وعيي بصورة حقيقية، نعم كنت كثير القراءة قبل التحاقي بالجامعة لكنها كانت قراءة غير ممنهجة، الدافع الأول والأكبر فيها هو اللذة، فانا أجد متعة في قراءة كتب المغامرات والألغاز والقصص لذا أقرأها بغض النظر عن الفائدة التي أحصلها من وراء هذه القراءة، وفي أحيانا كثيرة يثير فضولي موضوع ما فأجد في السعي لمعرفته عن طريق الكتب، هكذا كان الحال أما في دار العلوم فالأمر كان شديد الإختلاف، فقد عرفت القراءة في صورتها الصحيحة القراءة القائمة على رغبة حقيقية في المعرفة، عرفت كيفية البحث داخل بطون الكتب وسعيت إلى القراءة في التراث وأمهات الكتب. ولنبدأ من الأول.
في نهاية المرحلة الثانوية، كنت أقف حائرا مذبذبا، أرى شباب الإخوان مثالا حيا للرجولة والشهامة والاستقامة، فتنتني شخصية حسن البنا وسيد قطب وزينب الغزالي وآخرين... وحيرني هجوم المثقفين، والأدباء عليهم، ووصفهم بكل نقيصة، واتهامهم بأن الصورة البراقة التي يقدمون أنفسهم بها هي مجرد قناع سوف يسقط بمجرد تحقيقهم لهدفهم المنشود وهو الاستيلاء على السلطة، وشاء الله - عز وجل -  أن التحق بدار العلوم على غير رغبة مني، فقد كنت أتمنى ان أدخل كلية العلوم قسم جيولوجيا، حيث كنت في هذه المرحلة من عمري أعيش حلم أن أجوب الصحاري المصرية، وأكتشف أسرارها التي لا تبوح بها إلا للمحبين العاشقين فقط، كنت أتمنى أن تكون هذه مهنتي، أما القراءة والكتابة، فهما لا يحتاجان إلى دراسة، ولأن الرياح تأتي بما لا يشتهي السفن، فقد وجدت نفسي ملتحقا بدار العلوم وفي أول يوم لي فيها وجدت اتحاد الطلاب وإدارة الكلية يرحبون بالطلاب القدامى والجدد من خلال لافتات قماش مثل التي يستخدمها المرشحون في الانتخابات، وكان ضمن حملات الترحيب هذه تعريف الطلاب الجدد بأعلام الكلية وهكذا وجدتني اما أسماء الإمام حسن البنا، وسيد قطب، وفاروق شوشة، واحمد هيكل، وسعد اللبان، وإبراهيم مدكور، ومحمود حسن إسماعيل وطاهر أبوفاشا، وعلي الجندي، ومحمد عبد الحليم عبدالله. واما م كل اسم تعريف به، فهذا صحفي والثاني وزير والثالث شاعر وأديب...إلخ إلا حسن البنا فكانت العبارة التي تجاور اسمه تختلف عن كل الآخرين، كانت هكذا: الإمام حسن البنا مجدد الإسلام في القرن العشرين.
لفت هذا الأمر نظري جدا، لكن رغم هذا كنت مصرا على التحويل من دار العلوم إلى الحقوق، لعلي أجد فيها عوضا لي عن عدم التحاقي بكلية العلوم فأنا أحب دراسة القانون، وبالفعل قمت بالتحويل رغم أعتراض أبي – رحمه الله – وبعض من أصدقائي وحتى الموظفة التي كانت تقوم بعمل إجراءات التحويل قالت لي: حد يسيب دار علوم ويروح حقوق حرام عليك.
قضيت في حقوق القاهرة ثلاثة أسابيع ولم أطق زحمة المدرجات والصراع اليومي من أجل الحصول على بلاطة في سلم المدرج للجلوس عليه وكأننا قطعان من الأغنام، فقررت العودة إلى رحاب دار العلوم، وأسرعت الخطا إلى مكتب التحويلات لألغي تحويلي وأنا على ثقة أن الموظفة سوف تمد لي يد العون فقد كانت حزينة جدا لتركي دار العلوم.
    لكن للأسف أخبرتني وهي في غاية الاستياء أن الوقت قد مضى وعلي ّأن أنتظر للعام القادم أو أحضر استثناء لعنصر الوقت من عميد دار العلوم، خرجت من مكتبها وتوجهت إلى كلية دار العلوم وأثناء السير كنت أفكر كيف أصل إلى العميد فهداني الله إلى فكرة الاستعانة برئيس اتحاد الطلبة، وشرعت فورا في التنفيذ ووصلت إليه،
   كان طالبا يميل إلى البدانة قليلا، شعره طويل نسبيا وملبدا، يرتدي عوينات طبية، عرفته بنفسي، ثم شرحت له مشكلتي، استقبلها ببساطة وقال لي: أنا اسمي وليد السيد رئيس اتحاد الطلاب، وأنا من الإخوان المسلمين، لا تقلق سندخل معا لوكيل الكلية الدكتور حامد طاهر، وسوف تحقق طلبك. وبعد قليل وجدتني مع وليد في حضرة السيد الوكيل الذي بمجرد طرح المشكلة عليه، حرر لي خطابا موقعا ومختوما بشعار الدولة والكلية يؤكد فيه ترحيب دار العلوم بعودتي إليها.
 وهكذا عدت بفضل مساعدة أحد شباب الإخوان، ولا أنسى ونحن في هذه الجلسة عام 94 كيف كان يداعب الدكتور حامد طاهر الطالب وليد رئيس الاتحاد بحنو الأب ويعرض عليه صوره في حفل استقبال الطلاب الجدد قائلا: أنظر يا وليد صورتك هنا بجوار عميد الكلية روعة، ويبادله وليد الابتسامات والتعليقات في ود ومحبة وتقدير أثرا فيّ كثيرا.
انتظمت في الدراسة، وبدأت فعليا التعرف على الإخوان من خلال احتكاكي بطلبة التيار الإسلامي، هكذا كانوا يطلقون على أنفسهم في تلك الفترة فلم يكن مسموحا لهم الإعلان عن أنفسهم باسم الإخوان المسلمون.
كان ضمن أنشطتهم الرائعة، عمل معارض يبينون فيها ما يتعرض له المسلمون في البوسنة والهرسك من حرب إبادة، ويعرضون صورا للنساء المسلمات ولجرائم الصرب والكروات ضد المسلمين ويعرفون بتاريخ البوسنة ورموزها من المجاهدين، وكانوا يفعلون الشيء نفسه عن فلسطين وهكذا من خلال متابعتي لمجلات الحائط التي كانوا يحررونها ولهذه المعارض ولمحاضرات الدكتور صلاح سلطان، وكان يدرس لنا مادة الشريعة، والدكتور عبد الرحمن شاهين في التاريخ وكلاهما أعضاء في الإخوان، ثم من خلال التعرف على رأي الشيخ الشعراوي رحمه الله في الإخوان في كتاب الشعراوي عالم عصره في عيون معاصريه والذي قال فيه: "هم أحسن الناس الآن خلقا ودينا وكفاءة ومواهب" صـ151  كما وقع في يدي آنذاك رسالة ماجستير عن سيد قطب للباحث عبد الباقي محمد حسين تحمل عنوان سيد قطب حياته وأدبه، أشرف عليها الدكتور أحمد هيكل، وأورد الباحث في الجزء الأول منها حياة سيد قطب منذ النشأة وحتى وفاته، مرورا بروافد ثقافته وتعليمه ومعاركه، في تسلسل منطقي ووفق منهج علمي سليم وتحت إشراف أستاذ قدير، فوجدتني أتعرف على الرجل بصورة غير التي كانت سائدة آنذاك في كتابات المستشار العشماوي وغيره في روزاليوسف، وهكذا وجدت نفسي شيئا فشيئا تهدأ وتزول مني وعني الحيرة واقتنعت تماما أن الإخوان المسلمين هم الفصيل الأنقى والأطهر والأقدر ، والأكثر وعيا وإخلاصا في مصر لنصرة كافة القضايا الوطنية والإسلامية، ومن ثم دخلت دائرة المحبين، بل المحبين جدا.
وغدا نكمل.

02 يناير, 2012


أول الطريق
بدأت أول الطريق نحو معرفة الإخوان من الكتب فالظروف لم تهيء لي الانضمام إلى الجماعة وذلك لأن قريتي التي أعيش فيها منشأة البكاري كانت حتى منتصف التسعينيات خالية من الإخوان تقريبا، كما أن هذه الفترة كانت الحرب ضد الإسلاميين على أشدها بسبب موجة العنف التي وجهتها بعض التنظيمات المتطرفة ضد الدولة فتم إغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب قبل ساكن طرة فتحي سرور، كما وقعت محاولات لإغتيال عاطف صدقي، وحسن الألفي، وصفوت الشريف، والمخلوع حسني مبارك – ياريتها كانت نجحت – هذه الموجة من العنف قابلتها الدولة بعنف أشد وأكثر ضراوة وجرى تشويه متعمد للإسلاميين جميعا عبر وسائل الإعلام لا فرق بين تيار معتدل في طليعته الإخوان المسلمين وبين التيارات الأخرى المتشددة، وشارك في حملة التشويه هذه فنانين وصحفيين وكتاب دراما، فقام الممثل عادل إمام بتمثيل فيلم الإرهابي وهو فيلم سطحي تافه كأغلب أفلام عادل إمام التي يعتمد فيها على العري والإباحية، كما قدم في تلك الفترة أسامة أنور عكاشة حملة تشويه ضارية ضد الإسلاميين في كل أعماله الدرامية تقريبا فلم يخلو مسلسل من مسلسلاته من وجود شخص ملتح يلبس جلبابا أبيض ويرتكب كل الجرائم والفواحش، ومحمد جلال عبد القوي في مسلسل هالة والدراويش، وكذلك السيناريست وحيد حامد في مسلسل العائلة هذه الحملة الممنهجة ضد الإسلاميين جعلت الناس صنفين على الأقل، صنف بسيط يصدق دوما ما تقدمه وسائل الإعلام، وهو النوع الذي تسمعه دوما يقول مؤكدا على ما يردد من معلومات: والله ده جه في التليفزيون، أو الجرنان. فالتلفاز والجريدة يمثلا عنده دليل صحة الخبر ليس لما لهما من مصداقية فأغلب وسائل الإعلام في تلك الفترة كانت تمتهن الكذب الممنهج، ولكن لقلة وعي هذه النوعية من المواطنين أو قل إن شئت لجهلها. الصنف الآخر كان يحاول أن يصل إلى الحقائق عن طريق الإذاعات الأجنبية مثل البي بي سي في حالة الأخبار أو عن طريق الكتب لأصحاب الأقلام المحترمة الذين لا يبيعون أنفسهم بثمن بخس وللأسف هم قلة في بلادنا، المهم كنت أحاول دوما أن أكون من الصنف الثاني الذي يبذل جهدا كبيرامن أجل أن يحصل على معلومة صحيحة لذلك كنت أذهب يوميا إلى باعة الكتب في سور الأزبكية وأظل أنقب بالساعات الطوال في الكتب ثم أشتري ما أستطيع حمله وتكفيه نقودي القليلة، وفي هذه الفترة قرأت كتب البوابة السوداء لأحمد رائف والذي يسرد فيه ما جرى من تعذيب لأفراد جماعة الإخوان داخل سجون ناصر، وقد هالني وروعني، وكنت ما زلت صغيرا، عندما قرأت هذا الكتاب، الوحشية التي مارسها نظام ناصر ضد السجناء، ثم قرأت في السياق نفسه وللمؤلف نفسه، أيضا كتاب سراديب الشيطان، ثم وقع بين يدي كتب  مذابح الإخوان في سجون ناصر، ومذابح الإخوان في ليمان طرة للأستاذ جابر رزق –رلاحمه الله –  وأيام من حياتي للمجاهدة زينب الغزالي، فالتهمتها التهاما.
   شعرت أني أخذت جرعة كافية من القراءة في الكتب التي تحدثت عن محنة الإخوان في سجون ناصر ووجدت الدائرة تتسع أمامي، فأصبحت شغوفا بسيد قطب أريد أن أتعرف عليه أكثر وأريد أن أقرأ له خاصة الكتيب الذي لا يكف مهاجمو الإخوان من ذكره وهو معالم في الطريق على اعتبار أن موجة التكفير التي انتشرت في المجتمع المصري في النصف الثاني من سبعينييات القرن الماضي قد خرجت كلها من ثنايا هذا الكتيب، وأصبحت أريد أن أعرف أيضا عن التنظيم الخاص للإخوان، وبدأت أفكر ماذا لو أن هذه الكتب فيها مغالاة، وفيها دفاع عن الإخوان ربما يكون بالحق أو بالباطل، فبدأت أبحث عن كتب في الاتجاه الآخر وبالفعل قرأت عن الإخوان كتبا تكذبهم  وتهاجمهم وتعتبرهم سببا لكل الكوارث والمصائب التي وقعت لمصر وكان رأس الحربة في الكتَّاب الذين يقفون موقفا عدائيا من الإخوان الدكتور رفعت السعيد، والدكتور عبد العظيم رمضان، كما قرأت كتاب اللواء فؤاد علام  الإخوان وأنا وهو كتاب مليء بالاتهامات للإخوان ولحسن البنا شخصيا، إلا أني لم أشعر بالارتياح تحديدا لهذا الكتاب وذلك لكون كاتبه أحد رجال أمن الدولة وأنا لا أثق في رجال هذا الجهاز الذي كان يعرف انحرافاته القاصي والداني ولكون فؤاد علام متهما من قبل الإخوان بتعذيب الشهيد كمال السنانيري حتى الموت، فربما يكون الرجل راغبا في تشويههم بسبب ما بينه وبينهم من عداء، السبب الآخر والأهم في عدم ارتياحي لهذا الكتاب هو عدم منهجيته، وعدم توثيق ما جاء فيه من شهادات ومحاضر وخلافه مما يحتاج إلى توثيق حتى يثق القارئ فيه.
كان حصيلة هذه القراءة وأنا ما زلت شابا صغيرا يقف على أعتاب المرحلة الجامعية أن وقعت فريسة للحيرة، والقلق فأنا قابلت عددا صغيرا من شباب الإخوان في المرحلة الثانوية مثل محسن الذي ذكرته سالفا، وكانوا نموذجا يرغب كل طامح في التفوق والالتزام أن يكون مثلهم، والكتب التي تدافع عنهم تصورهم كالقديسين الذي يضحون بالغالي والنفيس بل بأرواحهم ذاتها في سبيل نصرة الإسلام والقضايا الوطنية، والتحرر من الاستعمار ومواجهة الأنظمة القمعية.
والكتب التي تهاجمهم وهي كثيرة تصورهم انتهازيين يأكلون على كل الموائد ويلعبون على كل الحبال من أجل مصلحتهم فقط، لذا كان عليّ أن أبحث عن طريق ثالث محايد أعرف منه الحقيقة حتى تهدأ نفسي ويزول القلق عني وأطرد الحية التي كانت تأكل أعصابي وهذا هو موضوع الحلقة القادمة.

01 يناير, 2012

أولى ثانوي ( 2)
بعد أن استشكل عليَّ معرفة من هو حسن البنا وما هي حكاية جماعة الإخوان المسلمين من الكتاب الذي اشتريته بسبب سوء طباعته ذهبت إلى أحد اقاربي وكان طالبا في كلية الحقوق وسألته فقدم لي معلمومات سطحية وبسيطة لم تشف غليلي ورغبتي في المعرفة، على العكس فقد زادت فضولي جدا وشغفي بأن أعرف، ولأن هذه الفترة لم يكن فيها إنترنت ولا ويكبيديا ولا فور شيرد استطيع تحميل عشرات الكتب بصيغة الـ pdf  من عليه عن الإخوان وقراءتها فقد قررت البحث عن كتب تفي بالغرض وبالفعل سألت الرجل العجوز الذي أشتري منه ووعدني ان يحضر لي مجموعة لكنه لم يفي بوعده، وكنت أنا أيضا قد فتر حماسي وانشغلت بأشياء أخرى، ومرت ثلاث سنوات من عمري أنهيت فيها مرحلة الإعدادية ثم التحقت بالمرحلة الثانوية في مدرسة أحمد لطفي السيد الثانوية العسكرية وهي إحدى المدارس المهمة والمميزة التي أنشأها جمال عبد الناصر عام 1962 وتقع في المنطقة الوسطى بين شارعي فيصل والهرم قرب ميدان المساحة.
    وفي العام الأول لي من المرحلة الثانوية تعرفت على صديق يدعى محسن، وكان فتى طيبا ويتميما لكني لاحظت أنه يبدو أكبر من سنه بكثير في قدرته على تحمل مسئولية نفسه وأسرته الصغيرة التي تركها والده ورحل إلى دار الحق، كانت عائلته هي امه وأخته الصغيرة، وكان لزاما على محسن أن يعمل بجوار دراسته لينفق على هذه العائلة التي غاب عنها الأب، فأتقن محسن صنعة إصلاح الثلاجات والغسالات ومختلف الأجهزة الكهربائية، وكانت هذه الصنعة تدر عليه دخلا محترمًا مكنه من الإنفاق على دراسته وأسرته.
   بهرني محسن بهذه الرجولة المبكرة وبحسن خلقه واستقامته وقدرته على الجمع بين الدراسة والعمل، فسألته يوما كيف استطاع فعل هذا؟ فأجابني بكلمة واحدة الإخوان المسلمين.
عندما نطق محسن باسم الإخوان تذكرت على الفور الكتاب الذي ذكرته لكم آنفا وكيف أثار رغبتي في المعرفة، وحدث أن عادت إليَّ وبالحاح كل مشاعر الشوق واللهفة إلى المعرفة يوم كان الكتاب بصفحاته البيضاء في يدي يخرج لي لسانه متحديا وأنا أكتم الغيظ، أريد أن أقرأ السطور البيضاء حتى أفهم لكني لا أستطيع، لكن أخيرا هاهي الفرصة أمامي فمحسن صديقي قطعا يعرف عنهم الكثير وما عليّ سوى أن أسأله وهو سوف يجيبني ويدلني ويشرح لي الغامض من الأمور. وبالفعل سألته في حيرة: يعني إيه الإخوان؟
أجاب محسن في ثبات: بعد أن توفي والدي، زارني أحد جيراننا وهو شاب تخرج في الجامعة وله نشاط خيري وتثقيفي ملحوظ في المنطقة، وقدم لي ولأسرتي عدة مساعدات، وألحقني بورشة لتعلم صنعة إصلاح أعطاب الثلاجات والغسالات، وعرفت أنه من الإخوان المسلمين وشيئا فشيئا أصبحت عضوا أشبال الجماعة.
أعدت السؤال في لهفة: أيوة فهمت انه ساعدك فمن هم الإخوان ومن هو حسن البنا ولماذا استشهد وكيف؟
أخذ محسن يقص عليّ ما لديه من معلومات عن الجماعة وعن الإمام وكانت بالنسبة لي آنذاك معلومات جيدة إلى حد ما، لكني عندما أسترجعها الآن أجدها ناقصة كثيرا وأن صديقي محسن لم يكن يعرف الكثير، على أية حال فقد ارتويت مما ذكره محسن وكان كريما معي فأمدني ببعض الكتب منها رسائل الإمام حسن البنا وكتاب مذكرات الدعوة والداعية، وهو الكتاب الذي امتعتني جدا قراءته وعرفت منه من هو الإمام حسن البنا وكيف أسس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928 وكيف تشكلت شعبها شعبة بعد أخرى، وما هي الصعوبات التي واجهت الجماعة عند نشأتها وكيف تغلب عليها الإمام وخرجت من الكتاب بوفرة كبيرة جدا من المعلومات وبفائض أكبر من الإحترام والتقدير لشخص حسن البنا ولجماعة الإخوان، وكان يؤكد دوما داخلي هذا الاحترام ما أجد عليه محسن من رجولة وجدية وتفوق وحسن خلق واستقامة، كان حقا نموذجا رائعا ومثلا يحتذى، ثم شغلتني الايام أيضا وتباعدت المسافات بيني وبين محسن وإن كنت قد عرفت طريق الكتب التي تتحدث عن الإخوان سواء بالهجوم على الجماعة وتشويهها أو الدفاع والذود عنها.
وهو ما نرويه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

                                           أولى ثانوي (2)
بعد أن استشكل عليَّ معرفة من هو حسن البنا وما هي حكاية جماعة الإخوان المسلمين من الكتاب الذي اشتريته بسبب سوء طباعته ذهبت إلى أحد اقاربي وكان طالبا في كلية الحقوق وسألته فقدم لي معلمومات سطحية وبسيطة لم تشف غليلي ورغبتي في المعرفة، على العكس فقد زادت فضولي جدا وشغفي بأن أعرف، ولأن هذه الفترة لم يكن فيها إنترنت ولا ويكبيديا ولا فور شيرد استطيع تحميل عشرات الكتب بصيغة الـ pdf  من عليه عن الإخوان وقراءتها فقد قررت البحث عن كتب تفي بالغرض وبالفعل سألت الرجل العجوز الذي أشتري منه ووعدني ان يحضر لي مجموعة لكنه لم يفي بوعده، وكنت أنا أيضا قد فتر حماسي وانشغلت بأشياء أخرى، ومرت ثلاث سنوات من عمري أنهيت فيها مرحلة الإعدادية ثم التحقت بالمرحلة الثانوية في مدرسة أحمد لطفي السيد الثانوية العسكرية وهي إحدى المدارس المهمة والمميزة التي أنشأها جمال عبد الناصر عام 1962 وتقع في المنطقة الوسطى بين شارعي فيصل والهرم قرب ميدان المساحة.
    وفي العام الأول لي من المرحلة الثانوية تعرفت على صديق يدعى محسن، وكان فتى طيبا ويتميما لكني لاحظت أنه يبدو أكبر من سنه بكثير في قدرته على تحمل مسئولية نفسه وأسرته الصغيرة التي تركها والده ورحل إلى دار الحق، كانت عائلته هي امه وأخته الصغيرة، وكان لزاما على محسن أن يعمل بجوار دراسته لينفق على هذه العائلة التي غاب عنها الأب، فأتقن محسن صنعة إصلاح الثلاجات والغسالات ومختلف الأجهزة الكهربائية، وكانت هذه الصنعة تدر عليه دخلا محترمًا مكنه من الإنفاق على دراسته وأسرته.
   بهرني محسن بهذه الرجولة المبكرة وبحسن خلقه واستقامته وقدرته على الجمع بين الدراسة والعمل، فسألته يوما كيف استطاع فعل هذا؟ فأجابني بكلمة واحدة الإخوان المسلمين.
عندما نطق محسن باسم الإخوان تذكرت على الفور الكتاب الذي ذكرته لكم آنفا وكيف أثار رغبتي في المعرفة، وحدث أن عادت إليَّ وبالحاح كل مشاعر الشوق واللهفة إلى المعرفة يوم كان الكتاب بصفحاته البيضاء في يدي يخرج لي لسانه متحديا وأنا أكتم الغيظ، أريد أن أقرأ السطور البيضاء حتى أفهم لكني لا أستطيع، لكن أخيرا هاهي الفرصة أمامي فمحسن صديقي قطعا يعرف عنهم الكثير وما عليّ سوى أن أسأله وهو سوف يجيبني ويدلني ويشرح لي الغامض من الأمور. وبالفعل سألته في حيرة: يعني إيه الإخوان؟
أجاب محسن في ثبات: بعد أن توفي والدي، زارني أحد جيراننا وهو شاب تخرج في الجامعة وله نشاط خيري وتثقيفي ملحوظ في المنطقة، وقدم لي ولأسرتي عدة مساعدات، وألحقني بورشة لتعلم صنعة إصلاح أعطاب الثلاجات والغسالات، وعرفت أنه من الإخوان المسلمين وشيئا فشيئا أصبحت عضوا أشبال الجماعة.
أعدت السؤال في لهفة: أيوة فهمت انه ساعدك فمن هم الإخوان ومن هو حسن البنا ولماذا استشهد وكيف؟
أخذ محسن يقص عليّ ما لديه من معلومات عن الجماعة وعن الإمام وكانت بالنسبة لي آنذاك معلومات جيدة إلى حد ما، لكني عندما أسترجعها الآن أجدها ناقصة كثيرا وأن صديقي محسن لم يكن يعرف الكثير، على أية حال فقد ارتويت مما ذكره محسن وكان كريما معي فأمدني ببعض الكتب منها رسائل الإمام حسن البنا وكتاب مذكرات الدعوة والداعية، وهو الكتاب الذي امتعتني جدا قراءته وعرفت منه من هو الإمام حسن البنا وكيف أسس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928 وكيف تشكلت شعبها شعبة بعد أخرى، وما هي الصعوبات التي واجهت الجماعة عند نشأتها وكيف تغلب عليها الإمام وخرجت من الكتاب بوفرة كبيرة جدا من المعلومات وبفائض أكبر من الإحترام والتقدير لشخص حسن البنا ولجماعة الإخوان، وكان يؤكد دوما داخلي هذا الاحترام ما أجد عليه محسن من رجولة وجدية وتفوق وحسن خلق واستقامة، كان حقا نموذجا رائعا ومثلا يحتذى، ثم شغلتني الايام أيضا وتباعدت المسافات بيني وبين محسن وإن كنت قد عرفت طريق الكتب التي تتحدث عن الإخوان سواء بالهجوم على الجماعة وتشويهها أو الدفاع والذود عنها.
وهو ما نرويه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

أنا والإخوان أول المعرفة.. في عام 1986 كان عمري اثنتا عشرة عاما، وكنت تلميذا في الصف السادس الابتدائي، أعيش في قرية منشأة البكاري وهي إحدى قرى الهرم، وكانت هذه القرية ذات خصوصية في موقعها الجغرافي فهي قريبة جدًا من الحضر حيث يفصلها عن الأهرامات عشرة دقائف بالسيارة وعن ميدان الجيزة نصف ساعة - هذا قبل أن يزدحما شارعي الهرم وفيصل هذا الازدحام الشديد - ومع قرب القرية من الحضر إلا أنها كانت تتمتع بكل مزايا الريف من جو نقي ومساحات شاسعة من اللون الأخضر مكسوة به الحقول ومن ترع نظيفة تحيط بها من جوانبها الأربعة فكانت تبدو وكأنها جزيرة يحيط بها الماء والزرع، لذا كانت الكباري التي تصلها بالطرق منمرة بهذه الأرقام من واحد إلى أربعة. وكان منزلنا يقع في وسط منطقة زراعية تحيط به الخضرة من كل جانب أيضا؛ لذا تربت عيني على الجمال فأصبحت لا اطيق مناظر القبح، في هذه البيئة نشأت وحيدا لأبوي؛ لذا غمراني بكل أنواع الحب والترف، وتعهداني في الوقت نفسه بحسن التربية والفهم، وكان والدي-رحمه الله - يشجعني جدا وأنا في سن مبكرة على القراءة، وكان يزيد لي في مصروفي الشخصي حتى أتمكن من شراء الكتب والقصص التي أهوى قراءتها، وكانت أمي -رحمها الله- تصطحبني معها إلى ميدان الجيزة لأشتري ما أشاء من كتب من رجل عجوز يبيع الكتب أمام بنك مصر وهو بالمناسبة المكان الذي كان يقع فيه مقهى عبدالله الشهير في أربيعينيات القرن الماضي والذي كان يجلس عليه يوميا أقطاب الفن والأدب والثقافة في مصر آنذاك مثل أنور المعدواي وعبد القادر القط، وزكريا الحجاوي ومحمود السعدني وآخرين. كانت والدتي تتركني أتصفح الكتب عند هذا الرجل العجوز وتذهب هي لتشتري ما يحتاجه المنزل، وكنت غالبا أختار القصص ذات العناوين المثيرة لأجاثا كريستي والكتب التي تتحدث عن المغامرات والرحلات، لكن في إحدى المرات استوقفني غلاف كتاب عليه صورة لرجل مطربش يملأ النور وجهه والكتاب يحمل عنوان الإمام الشهيد حسن البنا، فأشتريت الكتاب مع مجموعة من القصص أذكر منها الشيطان يعظ لنجيب محفوظ، وذلك لأن العنوان والغلاف لفتا انتباهي بشدة. عدت إلى البيت متلهفا إلى القراء وكعادتي آنذاك بدأت بكتب المغامرات ثم قرأت مجموعة الشيطان يعظ، وجعلت كتاب الإمام الشهيد آخر ما أقرأ، وعندما بدأت قراءته كانت هذه هي المرة الأولى في عمري التي أعرف فيها عن كيان اسمه الإخوان المسلمين، وعن رجل يدى حسن البنا وعن كونه شهيدا، لكن الكتاب كان فيه عيبَا خطيرا فبعض صفحاته كانت بيضاء تماما وهو عيب مطبعي ضايقني جدا ومن يومها وأنا أفر كل كتاب أشتريه عدة مرات لأتأكد من خلوه من هذ العيب لأن الصفحات البيضاء في كتاب الأمام الشهيد كانت تقطع التواصل في أفكار الكتاب فغمض عليَّ فهمه، ومن ثمَّ تركته ولكن بعد أن أثار فضولي لمعرفة من هم الإخوان المسلمين؟ ومن هو حسن البنا؟ ولماذا هو شهيد وكيف أستشهد؟ ومن هو النقراشي باشا وكثير من الأسئلة وهو ما سأتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله. جزء من كتابي واحد من الثوار رؤية مشارك