السبت، 10 مايو، 2008

المسرح العربي نشأته وتطوره


المسرح في مصر الفرعونية
نشأ الأدب المسرحي في مصر الفرعونية نشأة دينية سابقا بذلك اليونان بثلاثة آلاف سنة كما يتضح من تمثيلية منف في عهد الملك مينا، ومسرحية التتويج في عهد الملك سنوسرت الأول، ومسرحية انتصار حور على ست قاتل والده أوزيريس التي يرجح أن كاتبها هو الحكيم أمحتب في عهد الملك زوسر، فعندما مر هيرودت المؤرخ اليوناني الكبير ببلدة صان الحجر عام 450ق.م أشار إلى أن :" على هذه البلدة تقام ليلا تمثيلات تصور آلام إيزيس، والمصريون يسمون هذه التمثيلات بالأسرار". لم تكن هذه النصوص التمثيلية ساذجة بل كانت ذات مغزى، وكان رجال الدين هم من يقومون فيها بالتمثيل وكانتالقصة تدور حول بحث إيزيس وابنها حور عن جثة وزجها وأخيها أوزيريس أربعين قطعة بعدد محافظات مصر وقتئذ غير أن إيزيس وابنها حور قد نجحا بعد معارك في جمع جثة اوزيريس وإعاته للحياة.ولم يكتف هيرودوت بهذا النص التمثيلي الذي يثبت وجود المسرح في العصر الفرعوني بل يذكر أن الإعريق قد أخذوا فن المسرحية عن الفراعنة وإن لم يتطور عندهم ويخرج من النطاق الديني.
وذلك ما ذهب إليه علماء الآثار إذ اكتشفوا نقوشا تمثيلية في العرابة المدفونة "أبيدوس" بالقرب من مدينة جرجا، كما لوحظ أن طقوس العبادة في مصر القديمة كانت مصحوبة بالتمثيل، مما يوحي بنشأة الفن المسرحي هناك.
لكن غموضا ما قد اكتنف المسرح الفرعوني، يرجعه لويس عوض إلى أن المسرح المصري نشأ في أحضان الدين ومات في أحضان الدين أيضا، بيد أن المسرح الذي نشأ فعلا في أحضان الدين قد تطور بعد ذلك ليجابه مآسي الحياة ومشاكلها بدليل العثور على أدلة من النقوش والبرديات التي شملت نصوصا قصيرة لروايات مصرية قديمة تناولت المسائل الدنيوية إلى جانب المسائل الدينية كقصة مغامرات حورس، وقصصا فلسفية مثل الصدق والكذب وقصص سيكولوجية مثل الأخوين، وموضوعها المرأة العاشقة التي يصدها محبوبها عن الإثم فتشي بمحبوبها عند أخوه وزوجها ليقوم بالانتقام لها، هذه الأشكال والموضوعات التي تطورا إليها القصص القصيرة والروايات في مصر القديمة قد صاحبها تطور في الأشكال والموضوعات التي تناولتها النصوص المسرحية وكل هذه القوالب الأدبية نشأت في البداية في أحضان الدين ثم تطورت بعد ذلك وتناولت الحياة الواقعية للإنسان المصري القديم كما يقول الأستاذ عمر الدسوقي في كتاب المسرحية:" لم يقف المسرح المصري القديم على عتبة المعبد بل خرج إلى الشعب، وكان يقوم بالتمثيل فرق متجولة ويدخله بعض الرقص والغناء ثم قضي على المسرح المصري وانمحت معالمه في مصر اليونانية والرومانية، ولاسيما بعد ظهور المسيحية لاتصاله الوثيق بالوثنية".
ربما كانت الأديان ـ المسيحية والإسلام ـ التي توالى دخولها إلى مصر في تلك الفترة كانت حربا على النشاط المسرحي فمحته أو كادت، غير أن المسرح قد عاد إلى نشاطه في ظل المسيحية في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين وظهرت التمثيلات المدرسية في القرن الثاني عشر، ثم تمثيليات المعجزات الخارقة والتمثيليات التي تتناول حياة العذراء والقديسين.

المسرح عند العرب
عرف العرب القصص الشعبي ينشده ويرويه عازفو الربابة كما عرفوا بهاليل القصور ومضحكي الأمراء، كذلك مارسو الإرهاصات لأن يصبح التمثيل وسيلة في الدعاية المذهبية والسياسية كما كان يقع في المحافل، أو فيما كان يؤديه الشيعة لإحياء ذكرى مقتل الحسين بن علي في كل عام.
على أن التاريخ الحقيقي لفن المسرح في أي بلد أنما هو تاريخ كتابة المسرحية فيه، كتلك الإرهاصات البدائية لفن التمثيل عند العرب والتي تعد بذورا للمسرح عند العرب، والتي نجدها في بعض الطقوس الدينية كتلبية قبيلة عك إذ روي أنها كانت إذ خرجت للحج قدمت أمامها غلامين أسودين من غلمانها يقولان: نحن غرابا عك، فتقول عك من بعدهما: عك إليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية.
كما ورد في كتاب تاريخ بغداد أنه كان في زمن المهدي رجل صوفي وكان عاقلا عالما، كان يخرج كل اثنين وخميس خارج بغداد ويصعد تلا وينادي بأعلى صوته: ما فعل النبيون والمرسلون؟ أو ليسوا في أعلى عليين؟ فيقولون: نعم. فيقول: هاتوا أبا بكر! فيتقدم رجل فيجلس بين يديه. فيقول له: جزاك الله خيرا يا أبا بكر عن الرعية فقد عدلت فقمت بما يرضي الله، وخلفت محمدا(ص) فأحسنت الخلافة ووصلت حبل الدين بعد حل وتنازع، وفرغت منه إلى أوثق عروة وأحسن ثقة، وفعلت وفعلت، ويذكر ما قام به من جليل الأعمال. ثم يقول اذهبوا به إلى أعلى عليين، وينادي هاتوا عمر بن الخطاب ويقدم رجل آخر فيقول: جزاك الله خيرا.... وهكذا يأتي بكبار الصحابة والخلفاء وغيرهم ويحاكم كلا منهم ويقضي فيهم قضاءه.
كما كان الشيعة يمثلون مقتل الحسين في قصة تبتدئ بخروجه من المدينة إلى أن قتل في كربلاء.
هذه بعض بذور فن التمثيل في أدبنا العربي القديم، إلا أننا لا نستطيع أن ندعي أنها كانت آثارا مسرحية واضحة تتفق وشروط هذا الفن في عرف النقد الحديث، فإن العرب والفراعنة وإن وجدت لديهم البذور المسرحية والمحاولات التمثيلية إلا إنهم لم يطوروها ولم ينقلوا عن غيرهم ولم نرث عنهم فنا مسرحيا كالذي ورثناه من تراث أدبي آخر خلفوه لنا من فنون الشعر والمقامات والخطب، وكل الذي كان موجودا في مصر والبلاد العربية هو بعض فنون التسلية الشعبية وألوان من التمثيل غير المباشر كخيال الظل والأراجوز والسامر وصندوق الدنيا.
أما لماذا لم يعرف العرب فن المسرح، ولم ينقلوه مع ما نقلوا من ثقافة اليونان إذ نقلوا فلسفة اليونان وبخاصة فلسفة أرسطو، وجهل العرب فن الدراما فمن الأسباب التي تعلل ذلك رؤية الإسلام لفن التشخيص " التمثيل اليوناني" إذ وجدوا فيه تحديا لقدرة الله ومحاكاة له، وأن الإسلام الذي يقضي بحرمة صنع التماثيل ونحتها خوفا من العودة لعبادة الأصنام لا يبيح ترجمة أو تأليف مسرحيات يخلق فيها كاتبوها شخصيات مثلما يخلق النحاتون تماثيل الأصنام، فالعرب إذن لم يهتموا بترجمة أدب اليونان المسرحي لأنه حافل بالوثنية، وهم يتجافون عما يتنافى مع التوحيد الخالص، كذلك من الأسباب المؤدية لخلو الأدب العربي من المسرحيات بالشكل المعروف عند اليونان أن الشعر وهو لغة المسرح المفضلة مصطبغ بالعواطف الفردية والألوان الغنائية من مدح وهجاء وفخر وغزل، وظل موسوما بهذه النزعة بينما الأدب المسرحي يقتضي تحررا من النزعة الفردية ليصور مشكلات المجتمع وعواطف الآخرين، كما أن الأدب الذي اتصل به العرب فيما بعد اتصالا وثيقا كان الأدب الفارسي الخالي من الشعر المسرحي، كما كان من معوقات فن التمثيل عند العرب أن المسرح يقتضي أن تشارك المرأة مع الرجل على المسرح، وتقوم بنصيب في الحركة والعمل، ويقتضيها هذا أن تسفر وأن تظهر للرجال، والعرب كانوا يتحرجون من ذلك، كما يضيف طه حسين سببا آخر هو أن الأدب المسرحي اليوناني كان قد اختفى حين كان العرب يترجمون الثقافة اليونانية إذ كان محظورا لأن المسيحية في ذلك الوقت كانت تراه مغرقا في الوثنية، بينما ترى سهير القلماوي أن عدم معرفة العرب للمسرح بشكله اليوناني أن العرب بطبيعة عقلهم ينظرون إلى الكليات ولا يميلون إلى التحليل والمسرح يعتمد على العقلية التحليلية لا التركيب.
إعداد
محمد علي الفار

ليست هناك تعليقات: